تزورهم لمحات القمر وضربات الشمس, كتل الثلج ... زخات المطر وغناء الرياح. مشيت ببطء, لم يستعجلني أحد. فبلرغم من صمتهم بقمع سماوي, عند كل قبر المزيد من الحكايات التي سيحكيها لو أتيح له ذلك لتمتد بطولها زمناً ينافس في كل حكاية حكايات ليالي ألف ليلة وليلة دون خوف أو رهبة من سيف سياف أو بطش طاغية.
جلست قربهم أتأملهم, أخاطبهم بلغة صمتهم, أتشبث بهم, أهمل الناس, أحسب أيامي المتبقية التي تبدو قليلة في عيوني البخيلة, اسمع تنهيدات حلاوة الأرواح التي تتجول حولي للراحة المفقودة لوطأة ثقل أسرار البرزخ الذي يفصل بيننا. كما الصورة المموجة التي كثيراً ما لعبنا فيها في صغرنا في حركة طفيفة إلى الأمام وإلى الخلف مما يؤدي إلى تحريك الصورة لتكشف عما يكتنفها من مشهد آخر ...هدوء وصمت في ظاهر الصورة.. بينما كتلة من الدود تلتهم في الداخل كل ما يتيسر لها يومياً. أخذتني القبور التي يضنيها المجهول والتي تضم داخل ظلامها آلاف الأسرار الغامضة لأشخاص كانت تشتعل الحياة بوجودهم وجوداً, فقد كانوا يحيون أكثر من اللازم, وها هم الآن يموتون أكثر من اللازم بين الأموات الأحياء في الواقع, كنت في رحلة استكشاف لما كُتب على الشواهد.
استهواني القفص المطلي باللون الأخضر لقبر كُتب عليه هنا مرقد XX مواليد 1916 توفي في 1998, وقبر لشابة XX مواليد 1980 توفيت في 2005, لتسرقني هيبة مرقد الشهيد XX مواليد 1960 توفي في 1982, تلفتني الأغصان الخضراء لشتلة صغيرة غضة نبتت على مرقد الطفلXX مواليد 2001 توفي في 2009, وشجرة الزعرور التي تظلل الغبار وشقوق قبر مهجور قديم, تناولت ثمرة منها والتهمتها متفكرة بطعمها, هل لها نفس القدر من الطيبة بسبب اختلاط طعمها بما تبقى من هذا الجسد الذي أضحى سمادها في يوم من الأيام؟ لم استغرب يوماً نصوص بودلير وإيميلي ديكنسون عن المقابر و الموت, وأكثر ما يثير فضولي قبر جديد رش بالماء لزائر جديد لليلة أمس "الوجبة الجديدة للديدان الشرهة" المشغولة حالياً في الأسفل بطبقها غير آبهة بما تبقى من مفعول الأدوية التي تناولها المتوفي حديثاً. فعربدة الساحرات اللاهثات ليلاً بحثاً عن جثة جديدة ستقطع عمل الديدان ومهمة ملكي الحساب, وتحل مشكلة الميت الذي تحرر من اضطرابات هذه الحياة للتو تاركاً كتبه وملابسه وسريره وكل شيء...أتمادى كثيراً في تفكيري بما ستفعله المشعوذات, فيؤلمني رأسي بغارات الأسئلة والتساؤلات المثيرة عن طبيعة مسكنه الجديد المؤلف من بضعة أمتار تحت الأرض والمفاجآت التي تنتظره في الليلة الأولى.
ما الهيئة التي سيغدو عليها جسده بعد يومين وهل سيسرع الدلف المطري لعملية التحلل أم سيلعب الصقيع دوراً في المسألة؟ تطاردني التساؤلات عن أسباب مجيء هذا الجسد إلى هذا المكان بناء على نهايات مختلفة وغريبة كان لأسطورة القدر يد فيها: كمرض عضال, خيانة أحد الأعضاء بتوقفه عن العمل,تآمر خلية حمراء متخثرة, انتحار, نحر, حرق, غرق, شهادته لأرض سلبت أو بيعت وفقاً لمعاهدات أو اتفاقيات قذرة, حادث أليم أو ببساطة جماعة مسلحة! كل يوم نحن مع ابتكارات دراماتيكية سينمائية من الطراز الأول من صنع الموت لوضع أسباب قسرية ليقنعنا هو الآخر أن أحدهم غادر إلى عتبة أخرى ...كم هو رهيب ..الهدوء الصاخب...وقواعدياً الفعل الماضي هو المسموح به فقط مع هؤلاء الأموات. ماذا سيخترعون لي أنا الأخرى من أسباب؟ وهل سيضيفون إلي بعض المزايا الحميدة في طريق الإياب كما يفعلون دائما مع من يحبون؟؟ النوم حالة كالموت, لذا حرصت على أن أتزين وأتعطر قبل الذهاب في هذه الرحلة ..لربما يوجد احتفال هذه الليلة في الطرف الآخر, أو من يدري فقد يكون أحدهم قد قرر مفاجئتي بقدومه على حين غرة!
تجتاحني مجدداً غمرة التساؤلات: هل ارتكب هذا المتوفى يوماً ما في حياته جريمة كاملة ماتت معه؟ هل كان مجنياً عليه لم يُعرف غريمه؟ يالهول ما يحمل هذا الرأس المسجى في الأسفل من أفكار دفينة لم تكن ملائمة للعلن! و رشاوي, وزيجات سرية .. سرقات أدبية ظنها الناس إبداعاً, تقاطعني جملة "اذكروا محاسن أمواتكم", فتنتقل أفكاري إلى ما قدمه من تضحيات غير علنية, ومساعدات سُجلت من قبل مجهول, وعن ذكرياته الجميلة....فتعود بي الأفكار مرة أخرى: يا ترى! أين ستذهب هذه الأفكار مرة أخرى عندما ستفنى تلافيفه المخية ليتحول هذا الرأس إلى جمجمة فيما بعد؟ وهل أسأل أنا الأخرى هذه الأسئلة لكونها تندرج ضمن فلسفة الذاكرة الجمعية؟؟ أشعر وكأن جنازة تمر من رأسي ويمر بي المشيعون أيضاً!
ينكسر هذا المشهد لدى سماعي سقوط مفاتيح حفار القبور الذي يبدو كالسكير, أو المعتوه لتكرر المشاهد أمامه .. فقد اعتاد على حفر حُفر إضافية في وقته الزائد وتجهيزها للضيف الجديد الذي سيؤنس ملل الموجودين في وحشة وبرد الليلة القادمة. ولوطأة عمله الروتيني وحراسة القبور ليل نهار من حفلة طقسية لعابدي الشيطان وساحرات السحر الأسود ومتعاطي المخدرات, فإنه لا يَعرف فيما إذا كانت الحفرة القادمة ستكون له نفسه!
عادةً نحاول التغلب على القدر الإلهي بالمراوغة والحيلة, والأمل حيناً, واليأس حيناً آخر, فالقدر يتولى أمرنا بمخططات على طريقته الخاصة من غير اعتبار لمخططاتنا ولو لثانيةِ قادمة أو احترام برنامجنا لليوم التالي من أعمال غير منجزة وأحلام مؤجلة, فعلى نفسنا البشرية أن تتلقى أسهم هذا القدر راضية, أو ُتشهر سلاح المقاومة ضده في سيناريو لمعركة خاسرة سلفاً, يَضع هو حداً لها في آخر المطاف في جولة صورية مفبركة ينفذها مأمور تنعدم الكياسة لديه, وهذا ما يجعل الفاجعة تدوم أطول, وما يجعلنا نتحمل شتائمَ الزمن وظلمه الطاغي واعتداءه على حقوقنا بشكل لا مشروع ..لنرضى بعلل نعرفها بدلاً من الفرار ..لعلل نجهلها ..هكذا يبدو اللون الطبيعي للرغبة في الحياة ليوم آخر!



No comments:
Post a Comment